ابن رشد
133
تهافت التهافت
قادر مختار حي عالم ، وأن طبيعة الفعل بما هو فعل تقتضي هذا ، وأقنعوا في هذا بأن قالوا ما سوى الحي فهو جماد وميت ، والميت لا يصدر عنه فعل ، فما سوى الحي لا يصدر عنه فعل ، فجحدوا الأفعال الصادرة عن الأمور الطبيعية ، ونفوا مع ذلك أن يكون للأشياء الحية التي في الشاهد أفعال ، وقالوا : إن هذه الأفعال تظهر مقترنة بالحي في الشاهد وإنما فاعلها الحي الذي في الغائب ، فلزمهم أن لا يكون في الشاهد حياة ، لأن الحياة إنما تثبت للشاهد من أفعاله ، وأيضا فمن أين ، ليت شعري ، حصل لهم هذا الحكم على الغائب . والطريق الذي سلكوا في إثبات هذا الصانع هو أن وضعوا أن المحدث له محدث ، وأن هذا لا يمر إلى غير نهاية ، فسيمر الأمر ضرورة إلى محدث قديم ، وهذا صحيح ، لكن ليس يبيّن من هذا أن هذا القديم ليس هو جسما ، فلذلك يحتاج أن يضاف إلى هذا أن كل جسم ليس قديما ، فتلحقهم شكوك كثيرة . وليس يكفي في ذلك بيانهم أن العالم محدث ، إذ قد يمكن أن يقال : أن المحدث له هو جسم قديم ليس فيه شيء من الأعراض التي استدللتم منها على أن السماوات محدثة ، لا من الدورات ، ولا من غير ذلك ، مع إنكم تضعون مركبا قديما . ولما وضعوا أن الجسم السماوي مكوّن وضعوه على غير الصفة التي تفهم من الكون في الشاهد ، هو أن يكون من شيء ، وفي زمان ، ومكان ، وفي صفة من الصفات ، لا في كليته ، فإنه ليس في الشاهد جسم يتكوّن من لا جسم ، ولا وضعوا الفاعل له كالفاعل في الشاهد ، وذلك أن الفاعل الذي في الشاهد إنما فعله أن يغير الموجود من صفة إلى صفة ، لا أن يغير العدم إلى الوجود ، بل يحوله : أعني الموجود إلى الصورة والصفة النفسية التي ينتقل بها ذلك الشيء من موجود ما إلى موجود ما مخالف له بالجوهر والحد والاسم والفعل كما قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ولذلك كان القدماء يرون أن الموجود بإطلاق لا يتكوّن ولا يفسد ، فلذلك إذا سلم لهم أن السماوات محدثة لم يقدروا أن يبينوا أنها أول المحدثات ، وهو ظاهر ما في الكتاب العزيز في غير ما آية مثل : قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً الآية . وقوله سبحانه : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ . وقوله سبحانه : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ الآية . وأما الفاعل عندهم فيفعل مادة المتكوّن وصورته أن اعتقدوا أن له مادة ، أو يفعله